لم يعرف الإنسان شيئاً أكثر إبداعاً ولا أنجع وسيلة للتواصل من الكتابة و القراءة. بدون الكتب و قرائتها لما عرفنا تاريخ من قبلنا, و لوقعنا في أخطائهم جميعها و لما أكتسب أحدٌ خبرةً من أحد. بل و لما تطور الجنس البشري عن غيره أبداً. فسبحان الذي خلقنا و علمنا من علمه.

أخي القاريء العزيز, إن القراءة ليست بموهبة ولا بهواية ولا بأمر طاريء, إنه أمر احتياجي كحاجة الإنسان للطعام و الشراب و الهواء. فالقراءة غذاء للعقل و الروح, و لولا ذلك لما دمعت عين محبٍ لرسالة حبيب, ولا تغير فكر مفكرٍ لكتابة مفكرٍ أقدر منه.
و في هذه العجالة, أحاول أن أسرد لك أخي القاريء و أختي القارئة عشرة أسباب تشجعك على القراءة, ذلك لأن مجتمعنا العربي أصيب بأمراض خطيرة و فتاكه, مثل التلفزيون و الراديو و غيرها, حيث أصبحت هي مصادرنا الأولى و الأخيره لكل معلومة نتلقاها. فالله المستعان. أترككم مع الأسباب العشرة:
1. القراءة تنشط عضلة المخ: لا شيء يساعد المخ على التفكير و التحليل أكثر من المعلومات الجديدة و المحدّثة. إذ أن المخ بطبيعته يربط الأشياء و المواقف القديمة بالأحداث و المعلومات الجديدة, ثم تتشكل قناعات, ثم يعود المخ فيراجع كل ذلك مرة أخرى, و تبدأ الإستنتاجات و التقارير التحليلية بالظهور, و هكذا. فمن لا يقرأ تراه متأخراً عن الركب بضع سنين, و تراه يفتح ثغره كلما سمع نقاشاً جديداً في موضوع لا يدري عنه القليل ولا الكثير. و ترى مشاركاته ضحلة بسيطة سطحية. ولا يقف الأمر عند ذلك, فتجد أن قدرته على تحليل المواقف أو استيعاب الأمور أقل من غيره, و قد يصفه الأخرون بالـ “غباء”, و هذا كله لسبب واحد, أن هذا الشخص لم يدرب عضلة مخه على الإستيعاب و التحليل و منطقة الأفكار عبر القراءة.
2. القراءة تنمي موهبة الفهم: إن العقل الأدمي بطبيعته لا يتوقف عن التحليل و الربط بين جميع ما يدور في الذهن, فهو أداة لا يزال العلم عاجزاً عن تحليل بعض نشاطاته, ناهيك عن محاكاتها أو الإتيان بمثلها. إنك أخي القاريء و حينما تقرأ موضوعاً ما جديداً, فإن دماغك يبدأ بربط هذا الموضوع بالمواضيع الموجودة أصلاً في العقل, والتي بدورك قمت بقرائتها سابقاً أو تلقيتها بشكل أو بأخر – تلفاز, راديو, مدرسة, حلقة علم. إن هذه العلاقات بين المواضيع في العقل تزداد تعقيداً و كثافةً كلما ازددت قراءة, مما يجعل فهمك لموضوع قديم مثلاً أكثر وضوحاً, و يسهل عليك فهم و استيعاب الأفكار الجديده و هضمها بشكل أسرع ممن لا يزاولون القراءة بشكل دوري.
3. القراءة تجعلك منك مصدراً للمعلومات: من لا يقرأ يكون بطبيعة الحال متلقي للمعلومات من غيره, إما أصدقاء أو تلفزيون أو راديو. القراءة تجعلك تطّلع على الجديد من الأخبار و الطريف من الموضيع. هذا يجعلك مصدر من مصادر المعلومات لدى الأصحاب و الرفاق و الأهل, و هذا بدوره يشجعك أكثر على متابعة القراءة.

4. القراءة تسلي: لا يوجد أقدم من القراءة كوسيلة للتسلية, ولا أفضل منها و لا أقيم. طبعاً تعرف المقولة المشهورة “خير جليس الكتاب” ولا أعرف أفضل منها لوصفه و وصف القراءة.
5. تملأ الفراغ: تخيل أنك تقرأ عند انتظارك للباص أو للقطار, أو في دائرة حكومية – والحمد لله هذه يوجد منها الكثير عندنا – فقط, فأنت يا سيدي و يا سيدتي تستفيد مما يقارب الساعتين من وقتك المهدور يومياً. و لو أنك اتخذت من القراءة عادة فقط أثناء الإنتظار فستذهل لكمية المواد التي ستقرأها خلال شهر. لا تنسى أن تصطحب معك في المرة القادمة كتاباً صغيراً و أنت ذاهب إلى العيادة, الدائرة الحكومية, محطة الباص أو القطار, المطار إذا كنت تسافر. و مع التدريب, يمكنك أن تقرأ داخل وسائل النقل, كالباص أو القطار أو الطائرة.
6. أداة تواصل: الكتب و المنشورات الأخرى كالمجلات و الصحف ما هي إلا وسيلة تواصل بين الكاتب و القاريء, إن شاء القاريء اتفق مع الكاتب أو شاء اختلف. فأنت عندما تقرأ كتاباً أو مقالاً, إنما تتواصل مع كاتب هذا المقال بشكل أو بأخر, و هذا نشاط اجتماعي صحي جداً ولا بد منه, إذ إن الإنسان إجتماعي بطبعه.
7. إقرأ عمّا لا تستطيع فعله: هناك دائماً بعض الأشياء التي تحب أن تقوم بها – كرياضة معينة أو مهنة معينة – و لكنك لا تجد الوقت الكافي لها, يمكنك أن تستمتع أكثر بالحصول على معلومات عن هذه الأشياء بدلاً من أن تتحسر على عدم قدرتك للقيام بها. أضف إلى ذلك أنه إذا اتيح لك في يوم ما أن تشرع بالعمل بما تحب, فستكون جاهزاً مجهزاً بالمعلومات القيمة و الوفيرة عنها.

8. إقرأ عمّا تريد فعله: عندما نريد البدء بالقيام بعمل ما, عادة ما نقوم بسؤال الأصحاب أو الأقارب عن كيفية القيام بذلك. إن هذه الطريقة جيدة و لكن ليست ناجحة دائماً. على عكس القراءة, فأنت عندما تقرأ تأخذ المعلومة من شخص خبير – غالباً – يحيط الموضوع الذي تحتاجه بشكل كامل و واسع. أحياناً ما يعزف أحدهم عن القيام بشيء معين بعد القراءة عنه للقيام بشيء أخر أو القيام بنفس الشيء و لكن بطريقة أخرى, لا لشيء بل لأنه قام بالقراءة عنه بشكل جيد, و هذا ما لا يستطيع أحدنا القيام به عند البحث بطريقة السؤال.
9. القراءة عادة: القراءة ليست موهبةً كما يتخيل البعض, أو نشاطاً ينفع بعض الناس ولا ينفع بعضهم الآخر. القراءة إنما هي عادة تنمو و تتطور مع كل إنسان, و لا يوجد شخص على وجه البسيطة رزقه الله نعمة البصر لا يستطيع أن يتعلم القراءة و ممارستها. إن بيئتنا العربية و بحكم مرورها تحت الإستعمار فترة من الزمن تأثرت بالكثير من العوامل مما جعلها تنأى عن القراءة و التعلم لفترة من الزمان. و هذا بدوره “عودنا” على قلة القراءة – بل و في كثير من الأحيان عدم القراءة. فبدورنا, علينا أن نخلق الظروف المعاكسة لتلك الظروف حتى نستطيع التعود على القراءة و القراءة باستمرار.
10. القراءة عادة لا بد منها: ثق تماماً أخي القاريء بأن حياتك ستتغير عندما تزاول القراءة بشكل مستمر و لفترة معقولة (ستة أشهر كمثال). القراءة ليست شيئاً إضافياً يمكن الإستغناء عنه في هذه الحياة, و خير دليل على ذلك أن الله سبحانه و تعلى أرسل لنا كتاباً و ليس أي شيء أخر. و لكي يطمئن قلبك, ابحث في قائمة معارفك و أقاربك عن شخص قاريء و اسأله لماذا يقرأ؟ و ماذا تمثل له القراءة في حياته؟ اسأله عن شعوره قبل و بعد اكتساب عادة القراءة, و جد علينا بهذه الأجوبة في التعليقات على هذا المقال لعلنا نستفيد منها و نتشجع أكثر.